Posted by: regex2008 | أبريل 19, 2008

مقابلة ادبية مع شاعر السعودية الواعد ((فارس البيان ))

هذه مقابلة اجراها اخي العزيز و صديقي ابوشهد مع احد شعراءنا الواعدين (( فارس البيان ))… تفضلوا

  • تكلم قليلا عن بداياتك..ما الذي شد انتباهك إلى عالم الأدب و الشعر بالتحديد..تكلم بإسهاب
  • هل تذكر أسماء الكتب التي قرأتها في بداياتك..

 

في العلم لا شيء يحدث فجأة بلا مقدمات، والشعر ليس استثناء، إلا مع النابغة الذبياني ربما!!، فلا يولد الشاعر بلا مقدمات، ولا تأتي القصيدة من لا شيء، صحيح أن المقدمات ربما من الصغر ــ ولا أقول من اللاأهمية ــ لا تكاد تذكر إنما مهما كان حجمها فهي مثل الذبذبات الصغيرة في وسط المحيط والتي تستحيل في النهاية (تسوناميا) ساحقا يأتي على الأخضر واليابس،،، هكذا كانت بداياتي ومحاولاتي الأولى منذ سن العاشرة مجرد خربشات لا يعتد بها وينقصها الكثير لناحية المعنى والمبنى والإعراب.

ولأنني ابن شاعر وفي عائلتي المحيطة بي ثلاثة آخرين، وفي أبناء العمومة وأقاربي من الأسرة بضعة شعراء أيضا، كان لزاما علي عشق الشعر منذ بداياتي، خصوصا مع وجود مكتبة زاخرة عامرة بدواوين فطاحلة الشعر بدءا من امرئ القيس مرورا بالمتنبي وانتهاء بالسيد مصطفى جمال الدين.

كان الأمر بالنسبة لي أشبه بالتنقل من زهرة إلى أخرى في (بستان العلم والأدب) كما يحلو لي تسمية مكتبة والدي الجليل التي أشكر الله جل شأنه على أنني ما أقبلت على هذه الدنيا إلا وهي أمامي تنمو بنموي وتتسع باتساع مداركي.

فمن مصاحفها ختمت القرآن الكريم لأول مرة،، وفيها تعرفت على درر نهج البلاغة، ومن على رفوفها اطلعت على قصص العرب وأيامهم وأمثالهم ونوادرهم، ومن ينابيعها أشربت المعلقات فعرفت الرجال وكيف يجب أن يكونوا، ومن مناهلها اغترفت ألف ليلة وليلة فعرفت النساء ودلهن ودلالهن، ومنها أدمنت مجلات العربي والكويت والفيصل التي ستصبح فيما بعد النواة الأولى وحجر الزاوية في بناء مكتبي الخاصة.

 

  • من هي الشخصية التي فتحت لك طريق الإبداع و أشعلت لك أول شمعة
  • كيف تعرفت على علم العروض و هل واجهت أي صعوبات في تعلمه..

 

 

على هذا كان والدي الأديب ووالدي الشاعر ــ حفظه العلي الأعلى ــ أول من أشعل في نفسي حب الأدب وأضاء أمامي عوالم الشعر ودهاليز العروض، ولطالما عشقت طريقته في تدريبي على البحور وأوزانها التي اعتمدت على الترنيم والتلحين، وكان لذلك كبير أثر في تزويدي بأذن موسيقية بإمكانها معرفة الخلل العروضي حتى دون اللجوء إلى التقطيع العروضي الذي كان دخولي لعالمه سلسا وبانسيابية حسدني عليها دارسوه ومريدوه، بالرغم من أنني لم أعرفه إلا في سن السابعة عشرة بعد معرفتي المدرسية برائد الشعر الحديث وباعثه محمود سامي البارودي الذي نقلني من مرحلة عشق الشعر إلى محاولة نظمه جديا.  وعلى الرغم من أن كثيرين لا يرون في البارودي شاعرا أصيلا إنما يرونه معارضا ــ تلطيفا لمقلدا ــ لغيره من الشعراء، إلا أنني رأيت فيه شاعر الشعراء الذي جمع أروع ما في شعر الجاهليين إلى أروع ما في شعر العباسيين فكان حالة خاصة في الشعر العربي جعلته يحمل لواء الشعر الحديث بلا منازع ولا يختلف على ذلك اثنان مهما باعدت بينهما السبل.

كان اقتناء ديوان البارودي والغوص في بحره بمثابة خطوتي الجريئة الأولى نحو التطاول على عالم الشعر، فكنت دائما ما أغير في مطالع قصائده دون الإخلال في الوزن لأخرج بمطالع جديدة أسبغت علي في تلك الفترة لقب (شاعر المطالع) بين أفراد عائلتي.

 

  • ما الذي كنت تهدف إليه عندما كنت تكتب في بداياتك..و هل تغير هذا الهدف..

 

  • ما المواضيع التي كنت تتطرق لها في بداياتك..

 

  • ما هي أول قصيدة موزونة كتبتها و متى..حدثنا عن بدايتك الحقيقية..

 

 

غالبا ما كانت قصائدي مرتبطة بمناسبة معينة، وهي كانت تقوم مقام دفتر اليوميات بالنسبة إلي، ففيها سجلت أفراحي وأتراحي، ورؤاي الجادة وشطحاتي.  ربما سرت في هذا الاتجاه بحثا عن الجدة والأصالة وابتعادا عن التقليد، فنظمت واصفا ربيع بلدتي الأحساء وسرياليته، وغربتي في الرياض، واندهاشي بدانة الدنيا دبي، وتغزلت في ليلك وفي منن وفي هديل، وكتبت لأول أبناء أخواتي، ورثيت طفلا مات بماسٍّ كهربائي وآخر أخذته المياه، ووصفت أسوأ حالاتي النفسية وعقدتي مع الصحبة، وكتبت لملتقياتنا الأسرية ولبطاقات الأفراح ولشواهد القبور، كما كتبت الرباعيات التي جعلتها خاصة بشريكة حياتي.


ولأن قصيدتي الأولى مميزة بالنسبة لي، فهي أول قصيدة طويلة وكاملة ومترابطة أنظمها، فإني أود أن أورد هنا القصة الكاملة لكتابتها، والجو العام الذي ساعدني على كتابتها، كما وأنني أود تسجيل شكري للأشخاص الذين ساعدوني على إتمامها؛ لذلك كله أرجو أن أعذر على الإطالة وكل عذري في ذلك أن الأمر يستحق هذه الإطالة، إن لم يكن للقيمة الأدبية والفنية للقصيدة، فللخبرة المرجعية التي أضمنها في سطور التقديم لها، فقد أوردت في التمهيد الكثير من الحقائق التي ساعدتني على كتابة قصيدتي الأولى، وهي حقائق ليس من الصعب تحويلها إلى خطوات عملية ذات قيم إرشادية لمن أراد الاستفادة منها في خلق تجربته الخاصة به في نظم قصيدته العمودية الأولى.

الزمان:


قدحت شرارة هذه القصيدة في الساعة السابعة والنصف من مساء الاثنين 9/11/1420هـ ـ 14/2/2000م، وانتهيت من توقيعها في الساعة الحادية عشرة من مساء الأربعاء 11/11/1420هـ - 16/2/2000م.

المكان:


أغلبها في مكتبة المنزل (بستان العلم والأدب)، وبعض منها موزع بين غرفة نومي ومجلس المنزل.

الحدث:


عنوان القصيدة هو (البريد السابق والبريد اللاحق)، وهو يحكي الكثير عن القصيدة وعن قصتها. ففي أول أيام عيد الفطر المبارك أرسلت بطاقة إليكترونية، أهنئ فيها أحد معارفي بحلول العيد السعيد، لكنني أخطأت في حرف (الآي) في عنوانه وقلبته (واياً)! فقاتل الله شر الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية التي ما إن تخطئ في حرف/رقم واحد حتى يذهب كل جهدك أدراج الرياح.

الشرارة الأولى:


انتظرت ـ مكابرا ـ فترة زادت عن الشهر بقليل، فارتأيت كتابة رسالة أخرى أستفسر فيها عن البريد التائه. وفي البداية أردت التمثل بأبيات تعبر عن حالي من قبيل: ((يا بعيد الدار قد طال انتظاري *** هل سأمضي العمر في انتظار))، ولكن قُدح في ذهني، وإلى الآن لا أعرف كيف حصل هذا؟!، أن أنظم رباعية أو خماسية أشير فيها إلى البريد التائه، فتطورت الأمور بسرعة لم أنتبه لها، وغلبني شيطان الشعر فما انتبهت إلا وقد وصلت القصيدة إلى ستة عشر بيتا.


شكر وامتنان:

الشكر الأول موجه لوالدي الجليل ـ حفظه الله تعالى ـ الذي وفّر لي ولإخوتي (بستان العلم والأدب) الزاخر العامر بكل أصناف المعرفة، ولقد كانت هذه المكتبة هي العامل الأول الذي شكل ثقافتي وأمدني بالكثير من المعارف والأفكار والحصيلة اللغوية الجيدة بالطبع. وكان لوجود دواوين شعر راقية في مكتبة والدي الأثر الكبير في إعجابي بالشعر والشعراء وبالتالي محاولة نظم الشعر سيما وقد تكونت لدي حصيلة لا بأس بها من المترادفات والوعي بأهمية انتقاء الألفاظ. شيء آخر أجبرني على الإعجاب بالشعر ومحاولة تذوقه ألا وهو قصائد والدي التي كنت أكتبها على برامج معالجة النصوص، فمن كثرة ما كتبت من أشعار والدي أصبحت ممسوسا بالشعر ومحاولة نظمه.


الشكر الثاني موجه إلى ابن عمتي ـ حقيقة الأمر أنه أشبه بالأخ الأكبر لي ـ (أبو عدنان)، فهو ولنفس السبب الأخير المكتوب في الشكر الموجه لوالدي كان قد ساعد على شحن عواطفي بأشعاره التي كنت أعيد كتابتها وترتيبها له.


الشكر الثالث أوجهه إلى أختي ـ التي تصغرني بعامين ـ فقد كانت المراجعة والمدققة الأولى في قصيدتي، وقد أرهقتها بمطالباتي المتكررة لها بمراجعة قصيدتي إن كان لناحية الوزن أو النحو أو حتى المعنى.


الشكر الرابع أوجهه للبعيد عني جسدا القريب من روحا خالي (أبو علي)، فلست أكشف سرا حين أقول إنني كنت أحسب حساب شاعرية خالي في نظم قصيدتي، فماذا لو أن قصيدتي كانت ركيكة ووقعت بين يدي خالي وقرأها، ماذا سيقول عني وعن شعري التافه، لكنني وبعد الحصول على إشادة أبي بقصيدتي أيقنت أن خالي وغيره لا بد سيقف احتراما لمحاولتي الأكمل في قرض الشعر.

لما فرغت من نظم القصيدة ومراجعتها، عرضتها على والدي الكريم، ولا تزال كلماته التي قالها لي بعد قراءته أولى قصائدي ترن في مسامعي وكأنه يمليها علي البارحة وليس قبل سبعة أعوام. تلك كلمات عظيمة، تصغر أمام بلاغتها جميع كلمات الثناء وعبارات المديح فلا يعود لها ـ كلمات الثناء وعبارات المديح ـ أهمية:


((هذه ليست قصيدة أولى يبدأ بها حديث عهد بالشعر، إنها من بحر الكامل وقافيتها (القافيَّة) من القوافي الصعبة على مبتدئ، وموضوعها مبتكر لا تقليد فيه. لو أنك بدأت بغير ذلك!)).

من هذه الكلمات أدركت أن والدي ـ بحدسه المعرفي الثاقب ـ يتنبأ لي بمستقبل واعد في نظم الشعر، وكذلك هو ينصحني ـ ضِمْنا بحسِّه الأبوي المرهف ـ ألا أرضى بأن أكون مجرد ناظم أو شاعر أوزان، إنه يطالبني بالإضافة والوصول إلى الفرق!،، الفرق بين الشعراء الأصيلين وبين أدعياء الشعر والمتطفلين عليه.

القصيدة في نهاية المطاف:


البريد السابق والبريد اللاحق

 هَلْ جاءَكُمْ مِنِّي بَريدٌ سابِقُ؟ *** أَمْ مَا يَزَالُ مُضَيِّعاً يَتَحَامَقُ؟

 فَلَقَدْ قَضَى شَهْراً وَنَيْفاً تائِهاً *** وَأَنَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ مُلاحِقُ

 أَيَكونُ في دَرْبِ التَّشَرُّدِ سائِراً *** وَيَعَافُ دَرْباً، بِالسَّنا يَتَضايَقُ

 وَمُهَنِّئاً بِالعِيدِ قَدْ ضَمَّنْتُه *** وَمْضاً لَطيفاً.. في الدُّجَا يَتَبَارَقُ#

 فَلَعَلَّهُ لَمَّا نَأَى نُورٌ لَهُ *** أَلِفَ الشُّرُودَ وَخَالَهُ يَتَوَافَقُ

 أَفَلا يَرَى أَنَّ الشُّرُودَ مَغَبَّةٌ *** وَكَذَا التَّشَرُّدُ حَالُهُ يَتَطَابَقُ؟!

 فَإِذَا أَرَدْتُمْ قِصَّتِي تَجِدُونَها *** نَثْراً رَتِيباً، بِالصَّريحِ وَثَائِقُ##

 وَلَعَلَّ مَا خَطَّ اليَرَاعُ سَيَنْمَحِي *** وَلَعَلَّ مَا كَتَبَ المُّحَبِّرُ نَافِقُ

 لَكِنْ سَيَبْقَى مَا قَرَضْتُ مُذَكِّراً *** بِبَرِيدِ شَوْقٍ في السَّمَا يَتَشَارَقُ

 مُسْتَشْرِقاً مُسْتَغْرِباً مُتَذَبْذِباً *** يَبْغِي الوُقُوفَ هُنَيْهَةً فَيُنَافِقُ

 قَبْلَ الضُّحى أَرْسَلْتُهُ مُتَرَجِّياً *** أَلا مَحَالَةَ لِلْمَساءِ يُسَابِقُ

 وَالآنَ بَعْدَ تَأَكُّدٍ مِنْ فَقْدِهِ *** آنَ الأَوَانُ لِغَيْرِهِ يَتَحَاذَقُ

 في لَيْلَةٍ قَمَرِيَّةٍ أَطْلَقْتُهُ *** فِيهَا النُّجُومُ مُضيِئَةٌ تَتَعَانَقُ

 في لَيْلَةٍ فِيهَا الكَوَاكِبُ تَحْتَفِي *** بِبُزُوغِ نَجْمٍ لِلْعُلا يَتَسَامَقُ

 نَجْمٌ مُنِيرٌ لا يَخَافُ تَخَبُّطاً *** لا لا وَلا حَتَّى الضَّيَاعَ يُصَادِقُ

 وَأَظُنُّ أنّي لنْ أُكَرِّرَ مَطْلَعِي *** ((هَلْ جَاءَكُمْ مِنِّي بَرِيدٌ سَابِقُ؟))

***

# الومض اللطيف كان عبارة عن بطاقة معايدة إليكترونية براقة.
##
إشارة إلى الرسالة النثرية التي قدمت بها للقصيدة ورويت فيها حكايتها. ولو أن تلك الرسالة لا تزال موجودة لأثبتُّها هنا، ولكنها ضاعت مع ما يضيع مني بين الفينة والأخرى.


فبراير2000 محمد عدنان

  • ماذا بعد القصيدة الأولى؟

 تملكني شيطان الشعر بعد القصيدة الأولى، فتفتحت أمامي أوزان وأروية جديدة ومواضيع وأساليب مختلفة للنظم فيها وعليها، إلا أنني دائما وأبدا التزمت شكل القصيدة الكلاسيكي العمودي المقفى، لما للنظم عليه من أفضلية، ولما كان يمثله بالنسبة إلي من تحد.

وبعد القصيدة الأولى أيضا بدأت أدخل غمار المسابقات ففزت مرة بالمركز الرابع في مسابقة على المستوى المحلي لمنطقة الأحساء، وبذات القصيدة فزت بالمركز الأول في أحد المنتديات الرائدة العام 2000.

 

  • ما هي القصائد اللتي تشكل نقاط تحول بالنسة لأسلوبك؟

نظرا لأنني جربت الكثير في الشعر وتنقلت من أسلوب إلى آخر كثيرا محاكيا أساليب الشعراء المجيدين فبالكاد يمكن لي تحديد قصيدة تعد نقطة تحول في أسلوبي، وهذا أمر طبيعي لمن لا يزال يتحسس خطواته ويتلمس طريقه في عالم الشعر الشاسع الذي كاد عنترة العبسي أن يغلقه أمامي بمطلع معلقته: ((هل غادر الشعراء من متردم))؟!!  لولا أن محمود سامي البارودي زرع اليقين في قلبي بإمكان إتيان الجديد في هذا المحيط العظيم بمطلع ذكي لقصيدة جارى فيها شاعرَ الفروسية العربية الأصيلة حيث قال: ((كم غادر الشعراء من متردم؟ *** ولرب تالٍ بزّ شأو مقدم)).

 

  • حدثنا عن اهتماماتك النثرية الروايات على وجه التحديد و هل لك أي كتابات قصصية؟

 بالنسبة للقصص وللروايات فقد اهتممت بها مبكرا، وقرأت منذ نعومة أظفاري كثيرا في سلسلة ((المكتبة الخضراء)) التي بهرتني بعوالمها السحرية الجميلة كما في (القداحة العجيبة) و(الرفيق المجهول) و(البلبل) والكثير الكثير مما سطرته أنامل الكاتب المبدع عبدالله الكبير وآخرين معه في سلسلة قصص ندر أن يجود الزمان بمثلها، وذلك في زمن كان لتثقيف الأطفال في مرحلة مبكرة لا لتسخيف وتسطيحهم.

بعد ذلك قرأت رواية في مكتبة وادي كان مفصلا في علاقتي بأدب السرد، حيث كانت صاعقة لفتى يافع لما تجاوز العاشرة من عمره بعد، تلك الرواية كان عنوانها ((المسخ)) للأديب الغامض حياة وأدبا فرانز كافكا.

كانت تلك هي البداية الحقيقية بالنسبة لي في عشق الكتابة وعشق السرد، بعدها توالت الروايات وتعددت الأسماء وما عاد يهمني إن كان الأدب عربيا قديما أم حديثا معاصرا؟!  أم روسيا أم أنجلوساكسونيا أم فرانكفونيا أم لاتينيا؟!! المهم أنني أقرأ أدبا!! وفي الغالب كنت أفضل فن القصة القصيرة على الروايات الطويلة.

أما عن محاولتي الكتابة في هذه الفنون فهي الجريمة التي لطالما سولت لي نفسي ارتكابها إلى أنني أخاف عليها ـ نفسي ـ من سلوك طريق شائك لا محالة سينهكها قبل وصول المرام!!

 

  • أسمح لي أن أطرق زاوية خاصة من حياتك.. ألا وهي الحب..كيف أثر العشق و الهيام على تجربتك الشعرية؟

كان العشق رفيقي منذ الخطوة الأولى التي خطوتها في عالم الشعر، ومع أن قصيدتي الأولى لم تكن غزلية الطابع إلا أن العشق هو الذي ولدها لدي،، أعني هنا عشقي الأول عشق لغة الضاد التي دائما ما أردد فيها بيت المنخل اليشكري الشهير:

وأحبها وتحبني *** ويحب ناقتها بعيري

هذا البيت كان بمثابة نذور زواجنا أنا واللغة العربية الجميلة!!

وفيما خص العشق فهو صاحبني في شعري على مرحلتين، إذ نظرا لطبيعة مجتمعي المحافظ كانت معرفتي الأولى بالعشق من قراءة شعراء الغزل العذريين وغير العذريين، وهذا جعلني أخلق لي عالما خياليا فيه العديد من أسماء الملهمات المتخيلة، فتغزلت في منن وفي ليلك وفي هديل وغيرهن.

أما المرحلة الثانية فقد كانت بعد خطوبتي مباشرة إذ طرق العشق الحقيقي شغاف قلبي وأطلقني في تجربة شعرية جديدة أسميتها ((رباعيات عاشقة)) لا أزال إلى يومنا هذا أعيش في سبكها أجمل اللحظات وأروعها. 

  • قصائد عزيزة على قلبك..تكلم عنها؟

 ما أكثر الأعزاء على قلوبنا، وما أكثر القصائد العزيزة على قلبي، إلا أنني سأختار مجبرا أن أتحدث عن قصيدتين هما من الأقرب إلى قلبي والأعز على نفسي، بعد أن أسهبت في الحديث عن أعز قصائدي، التي هي أولاها أيضا، في إجابتي على سؤال سابق.

والقصيدة الأولى عنوانها ((أحْلامٌ أَمْ إلْهامٌ ؟!)) وهي الثالثة بين قصائدي وهذه نبذة عنها وعن مناسبتها:

 

في مساء أربعائي مشهود في محرم الحرام من العام 1420 كنت في زيارة إلى بيت خالٍ لي، وقد كان في مجلسه تلك الليلة لفيف من الأهل والأقارب من جيلين متعاقبين، جيل الآباء وجيل الأبناء، وكان من بين الجيل الأول شاعران متمرسان جعلا جو المجلس مصابا بلوثة شعرية، وكان النقاش يدور حول قصيدة جديدة نظمها ابن خالي المذكور آنفا ـ وابن الخال هذا يصغرني بثلاث سنوات تقريبا ـ، وأبى أحد الشاعرين إلا أن يقول شعرا في مناسبة باكورة أشعار ابن الخال هذا، وخرج علينا بقصيدة جميلة.
كهربت القصيدة ـ المرتجلة ـ الأجواء شعريا أكثر فأكثر، وظللت أجيل مفردات تلك القصيدة في ذاكرتي مبديا إعجابي الشديد بوقعها السحري وتناغمها الموسيقي، وما قطع علي حبل أفكاري إلا صوت ابن خالي ـ نفس الخال ولكن ابنه الأكبر الذي أكبره بشهور فقط هذه المرة ـ يطلب مني أن أعطيه عنوان بريدي الإليكتروني كي يبعثه إلى واحد من أقاربنا ـ هو ابن خالٍ آخر لي ـ يقيم خارج بلدتنا مع عائلته. رددت عليه بأن يعطيني هو عنوان قريبنا المشترك كي أكون أنا البادئ بالسؤال عنه وعن أهله الذين هم أهلي، وهكذا كان.


على العموم عدنا بعد قليل إلى أجواء الشعر ورحاب الأدب مجددا، إلى أن انتهت الليلة ـ أكرر بأنها كانت مشهودة ـ وانفض المجلس كل إلى حال سبيله، وكان أن توافق خروجي مع خروج خالٍ ثالث لي، فتمشينا إلى أن وصلنا إلى عتبة منزلنا، ولم أكن أدري أن خالي هذا سيسأل السؤال الذي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير! لقد سألني هذا الخال إن كنت قد نظمت شعرا جديدا ـ يعرف بعض أقاربي في ذاك الوقت أنني أحاول كتابة الشعر ولكنها لا تعدو كونها محاولات لا يعتد بها ـ، فأجبته بأنني لم أكتب شيئا جديدا، وانصرف الخال بعد أن زرع في ذهني فكرة كتابة قصيدة بمعنى القصيدة.


نمت ليلتي رغم الأرق الشديد الذي انتابني بسبب تفكيري الجاد في التوفيق بين الأمور الثلاثة التي تراكمت في ليلة واحدة، وما استيقظت وقت الفجر إلا ورأسي مليء بأحلام كتابة قصيدة معبرة عن بعض الخيالات التي مرت في رأسي أثناء منامي.
أديت الفجر ثم حاولت كتابة مطلع مناسب فما وجدت إليه سبيلا، فرحت أستعين بديوان الشاعر المصري ـ الشاعر نصف الجاهلي كما يحلو لي تسميته ـ محمود سامي البارودي فوجدت فيه قصيدة مطلعها:


ألا حي من أسماء رسم المنازل ***** وإن هي لم ترجع بيانا لسائل

فتذكرت الأحلام التي جالت في خاطري، فعقدت مقارنة بين  (أسماء) البارودي و(أحلامي)، وحورت المطلع بعض الشيء ثم انطلقت في كتابة قصيدة معبرة كانت نتاج تراكم ثلاثة خيوط أفضت في الإشارة إليها، ولكنها (الأحلام) هي التي أعطتني النفس (الطويل) ـ دقق قليلا في الطويل ـ لكتابة القصيدة التي أعدها محاولتي الأكمل والأفضل ـ حتى وقت قريب ـ في قرض الشعر ونظمه.


 

أَلا حَيِّ في الأَحْلامِ بَعْضَ الْمَعارِفِ
وَإنْ هِيَ لَمْ تُوسِعْ مَجالاً لِوالِهٍ
خَيالٌ دَقيقٌ لا يَزالُ مُخَيِّماً
يُضَمِّدُ فَجْراً ما عَراهُ بِشِعْرِهِ
يُلَوِّنُ آفاقَ السَّماءِ بِلَحْنِهِ 
كَلِفْتُ بِما لَيْلاً تَناهَى لِمَسْمَعي
((عَلِيٌّ)) يُريدُ مِنْكَ عُنْوانَكَ الَّذِي
تُريدونَ عُنْوانَ الْبَريدِ فَهاكُمُ
((مُحَمَّدُ عَدْنانٍ)) بِغَرْبِيَّةٍ غَدا
فَهَذا جَوابي سَطَّرَتْهُ أَنامِلي
فَيا بْنَ خُؤُولَتي وَدَدْتُكَ قاضِياً
سَلامٌ إِذا بَلَّغْتَهُ كُنْتُ رابِحاً
وَسَلِّمْ على الأَهْلِ الْكِرامِ فَإنَّنا
وَسَلِّمْ على الأَهْلِ الْكِرامِ فَإنَّهم

 

وَإنْ هِيَ لَمْ تُبْقِ ظِلالاً لِعارِفِ
فَلا شَكَّ قَدْ أَبْقَتْ خَيالاً لِواصِفِ
على مَنْ بِشِعْرٍ صارَ أَسْعَدَ نازِفِ
وَلِلنَّايِ أَضْحَى عازِفاً أَيُّ عازِفِ
وَيُشْجي أَنينُهُ جَوارِحَ كالِفِ
وَصِرْتُ لِفَرْطِ الْوَجْدِ رَهْنَ الْعَواطِفِ
تُراسِلُ مِنْهُ كُلَّ صَحْبٍ مُوالِفِ
خُذوهُ جَلِيّاً واضِحاً غَيْرَ زائِفِ
لَهُ سَهْلُهُ النَّجيبُ بَيْنَ الأَصالِفِ
وَفي الْقَلْبِ حاجَةٌ أَذابَتْ طَوارِفي
لِما في جَناني جالَ دون تُجانُفِ
فَسَلِّمْ على الأَهْلِ الْكِرامِ الغَطارِفِ
نَتوقُ إلَيْهِمْ تَوْقَنا لِلْقَواعِف
أَعِزّاءُ دَوْماً في قُلُوبِ الْخَوالِفِ

 

 


 

أما القصيدة الثانية فهي المعنونة ((ورقاء وغيداء)) والتي نشرتها مجلة (الفيصل) الثقافية في عددها رقم 344 الصادر قبل عامين في صفر 1426هـ، وهي قصيدة أفتخر فيها أنني نظمتها على شاكلة عينية الشيخ الرئيس ابن سينا الشهيرة في المبنى، مع اختلافها في المعنى:

وَرْقاء، ُ يا ذاتَ التَّعَزُّزِ، رَجِّعي
وَلْتُسْمِعي صُمَّ الحَصىَ تَرْنيمَةً
كَلِماتُها لُغُةٌ تَقومُ بِذاتِها
مَهْما بَحَثْنا لَنْ نَراها مُطْلَقاً
لُغَةٌ (أبو نَصْرٍ) وَعىَ أرْكانَها
وَمِنَ العَباقِرَةِ الأعاجِمِ (فاجْنَرٌ)
لُغَةٌ تُسافِرُ بِالقُلوبِ إلى الطِّلىَ
كَالسِّحْرِ تُبْحِرُ لِلصَّبابَةِ والهَوىَ
في قارِبٍ ما ضَمَّ غَيْرَ خَرائِدٍ
وَصَلَتْ إلى حَدِّ الكَمالِ صِفاتُها
ألْحاظُهُنَّ لآلِئٌ شَفّافَةٌ
وَشُعورُهُنَّ خَمائِلٌ مُلْتَفَّةٌ
وَوُجوهُهُنَّ مُنيرَةٌ وَهّاجَةٌ
وَثُغورُهُنَّ كُؤوسُ خَمْرٍ رَشْفُها
أنْفاسُهُنَّ عَلىَ العُطورِ أميرَةٌ
وإذا نَوَيْنَ عَلىَ الكَلامِ تَكَرُّماً
وَصُدورُهُنَّ جَنائِنٌ قَدْ أزْهَرَتْ
وَخُصورُهُنَّ مُهَفْهَفاتٌ كُلُّها
ودَقيقَةٌ سيقانُهُنَّ،، تَناسَقَتْ
خُطُواتُهُنَّ إذا مَشَيْنَ كَأنَّها
مِنْ بَيْنِهِنَّ غَزالَةٌ مَيّاسَةٌ
تَخْتالُ كِبْراً وَالمِلاحُ أحَطْنَها
كَمْ أعْقَبَتْ نَظراتُها مِنْ حَسْرَةٍ
ثَوْبُ الجَمالِ تَذَيَّلَتْ فيهِ بِلا
هِيَ مِثْلُ وَرْقاءٍ تَدورُ بِرَوْضَةٍ
غَنَّتْ على الأفْنانِ أعْذَبَ وَصْلَةٍ
قَدْ أسْمَعَتْ صُمَّ الحَصىَ تَرْنيمَةً

 

فَلْتُطْرِبينا بِالغِناءِ المُبْدَعِ
تَشْفي فُؤادَ المُؤْلَمِ المُتَوَجِّعِ
مَحْجوبَةً عَنْ عَقْلِ كُلِّ مُقَنَّعِ
لا في (لِسانِ العُرْبِ) أو في (المَجْمَعِ)
وأجادَها (زِرْيابُ) هَذا اللَّوْذَعي
أو (باخُ) أو (موزارُ) ذاكَ الألْمَعي
وإلى عَوالِم
ِ
بَهْجَةٍ وَتَمَتُّعِ
بَيْنَ الحِسانِ الباهِراتِ المَطْلَعِ
وَبُدورِ تَمٍّ أو نُجومٍ لُمَّعِ
تِلْكَ العَذارىَ النّازِعاتُ البُرْقُعِ
وَرُموشُهُنَّ كَما السِّنانُ البَلْقَعي
سَوْداءُ في لَوْنِ الفَضاءِ البَلْقَعِ
هُنَّ الضِّيا لِطِيافِ لَيْلٍ أسْفَعِ
يَهَبُ الحَياةَ لِمَيِّتٍ مُتَقَطِّعِ
مِثْلُ الشَّذا طارَتْ بِمِسْكٍ أضْوَعِ
ثَمُلَ الكَلامُ بِحَرْفِهِنَّ المُمْتِعِ
وَتَوَرَّدَتْ بِالمَرْمَرِ المُتَرَعْرِعِ
كَغُصونِ بانٍ أو أراكٍ مُفْرِعِ
أفْخاذُهُنَّ مَعَ الجَمالِ الأرْفَعِ
خُطُواتُ ريمٍ في فَضاءٍ أجْرَعِ
هَبَطَتْ مِنَ الأُفْقِ الرَّحيبِ الأوْسَعِ
مِنْ كُلِّ حَدْبٍ مِنْ جِهاتٍ أرْبَعِ
حَتىّ بِقَلْبِ النّاسِكِ المُتَوَرِّعِ
بُطْءٍ كَئيبٍ أوْ بِرَكْضٍ مُفْزِعِ
غَنّاءَ مورِقَةٍ بِوادٍ مُمْرِعِ
مِنْ عالَمِ الأنْغامِ دونَ تَمَنُّعِ
تَشْفي فُؤادَ المُؤْلَمِ المُتَوَجِّعِ…

 

  • ما هي مشاريعك الحالية..ماذا تكتب و ماذا تقرأ؟

بالإضافة إلى إعدادي لنشر مجموعتي الشعريتين ((قصائد فوضوية)) و((رباعيات عاشقة)) فأنا أطلقت مؤخرا مشروع مدونتي على الإنترنت http://muhamadadnan.maktoobblog.com/ وأسميتها ((عالم من الفوضى))، سأنشر فيها بالإضافة إلى أشعاري الخاصة مقالاتي التي أعبر فيها عن وجهة نظري وتعليقاتي على أمور كثيرة ليس الشعر أولها ولا آخرها.

  • كلمة أخيرة توجهها إلى إخوتك الصغار من المبتدئين في عالم الشعر؟

 

على المبتدئ في عالم الشعر العمودي الكلاسيكي أن يلم بأساسيات علم العروض، ولا أقول بكل علم العروض، ففي ذلك استنزاف وهدر طاقة، إنما عليه أن يلم بالبحور الأساسية (الطويل – الكامل – البسيط – الوافر – الخفيف – الرمل – المتقارب – الرجز) في أشكالها الأساسية على الأقل، وهذه البحور هي الدارجة والمستخدمة كثيرا عند شعراء القصيدة العمودية منذ الشعر الجاهلي مرورا بالعباسي وانتهاء بشعرنا المعاصر.  وعليه أيضا أن يحسن تلحينها إن تمكن إلى ذلك سبيلا، وحفظ أبيات الشعر ملحنة ومغناة يساعد على تنمية ملكة نظم الشعر على التلحين.

وعليه أيضا أن يكثر من القراءة وليس فقط قراءة الأشعار وحفظها، وفي هذا فائدة كبيرة ولا ريب، إنما أيضا عليه أن يقرأ في كل المواضيع الأدبية والثقافية وحتى العلمية كي تكون لديه حصيلة لغوية تسعفه في قرض الشعر، كما يمكنه الاستفادة ـ إذا شرع في كتابة قصيدة ـ من القصائد التي على قافية قصيدته فيستحضرها أمامه انتقاء المفردات التي تتناسب مع موضوع قصيدته.

 

وعلى المبتدئ أن يعي أولا وأخيرا أن الشعر شيطان يتملكه حينا ويتركه لنفسه حينا آخر، فأحيانا تنهال القريحة وتنساب الكلمات والقصائد انسيابا سلسا، وأحيانا أكثر تجدب ولا تسعفه ولو ببيت واحد.  ومتى ما جدبت القريحة عليه ألا يستعجلها وإلا جاء شعره ركيكا لا يعدو كونه وزنا، بل الأفضل له أن يترك قصيدته ويريح نفسه من اللهاث خلف تتمتها، حيث بالإمكان العودة إليها في ساعة أكثر صفاء وأفضل شاعرية!!

 

Leave a response

ردك:

التصنيفات