كلام عن الافلام كمصدر للثقافة الشخصية
بسم الله الرحمن الرحيم
في مجتمعنا ينظر الى متابعي الافلام بنظرة دونية ، فالاشخاص المتدينون يرون ان هذه معاصي يجب الترفع عنها و قد يقدح في تقواك عندما يشتهر عنك هذا الامر . البعض الاخر و خاصة من المثقفين ينظر اليها بأنها مجرد مضيعة للوقت و يجب استبدالها بانشطة اكثر فائدة مثل القراءة.
هذا الاعتقاد صحيح في غالب الامر لهذه الاسباب :
1- كون اكثر الافلام مجرد افلام تجارية.
2- كون اكثر المتابعين مجرد متابعين لقضاء الوقت و المتعة.
3- كون اكثر المتابعين مدمنين يقضون ساعات متواصلة على مشاهدة الافلام.
و لكن في الجهة المقابلة هناك حالات يكون فيها الوضع هكذا:
1- الافلام فنية جادة و راقية ، و قد قيل ان من اروع الفن صناعة السينما لانها تجمع كل الفنون من كتابة و موسيقى و صورة و غيرها.
2- المتابعون لا يشاهدون الفيلم لاجل الفيلم او لاضاعة الوقت و انما ينظرون له نظرة نقدية و يخرجون بفوائد.
3- المتابعون ليسوا مدمنين على الافلام بشكل يؤثر على علاقاتهم الشخصية و انشطتهم الاجتماعية.
يتضح من الحالتين العامتين اعلاه ان هناك فرق شاسع بين كل شخص يشاهد الافلام. فقد تصل الحالة من الانحطاط بالشخص الى مشاهدة الافلام من اجل الاستمتاع بأجساد النساء و الرقص و قد تكون الحالة على جهة مقابلة كليا حيث المتابع يدرس الفيلم و كأنه محاضرة او رواية يستخرج منها فوائد مباشرة او خفية بين الاسطر.
اذا كلامنا هنا ليس عن الافلام الساقطة و لا عن الافلام المشاهدة لاجل اضاعة الوقت فهذه لا تحتاج الى شرح او تفصيل فما اكثر الافلام الهابطة و ما اكثر من يستأنس بها.
كلامي عن الافلام التي فعلا تستأهل مسمى فيلم ، هذه الافلام التي لا تقل عن قراءة رواية في الفائدة بل تتعدى الى ان تقارن بكتب في احيان اخرى.
اذا هل يمكن ان تكون الافلام مصدر للثقافة الشخصية ؟ نعم يمكن ذلك فكما ان ليس كل كتاب جيد و ليس كل كتاب يستأهل القراءة و رب كتاب قرائته تضر اكثر من ان تنفع فكذا الحال في الافلام .
الكاتب الشهير ستيفن كينج صاحب روايات الرعب الشهيرة التي تحقق ارقاما قياسية في مبيعاتها و تعتبر فئة من الادب في حد ذاتها، لم يتسن لي قراءة رواياته الا واحدة منها و لكن لو سألني احد عن ستيفن كينج و اعماله لاجبته بالتفصيل الممل و بما تتميز اعماله و ما يعيبها . المسألة هنا انني لا املك الكثير من الوقت كي اقرا رواياته الطويلة و لكن بين الفينة و الاخرى اجد ساعة و نصف من يومي اقضيها في مشاهدة احد الافلام المقتبسة عن رواياته كالنافذة و الشيء و هي و مقبرة الحيوانات الاليفة و الاسطورة ” الاشراق“.
قد تتفاوت درجة الاخلاص للرواية الاصلية في كل عمل و لكن الحس العام يبقى ثابتا. الافلام اذا تقدم كل عناصر الرواية المميزة من حبكة و تطور للشخصيات و مونولوج .
الافلام تسمح لك كما في الكتب ان ترى الدنيا بمنظار متفاوت حسب رؤى و فلسفات مختلفة . في فيلم ” هنري بول كان هنا ” يتقمص الممثل لوك ويلسن شخصية الانسان الذي فقد ايمانه بالله بعد ان اصيب بالمرض الخبيث و بدا مصرا على تجاهل كل الايات التي تدعوه الى الرجوع الى الايمان بالمسيح و بالعذراء. يوافقه على هذا الطرح فيلم ” الطقوس ” الذي يرافق حياة طفل مشكك بوجود الله لانه فقد والدته و هو صغير ليخوض معركة الايمان بالشيطان . هذه المعركة بين الايمان و الكفر و بين التصديق بوجود الغيب و بين التفسير المادي للاشياء يبلغ ذروته في فيلم ” طرد الارواح : ايميلي روز ” حيث نعيش مناظرة في المحكمة بين محامي يريد ان يثبت انه لا يوجد شيء اسمه ارواح شريرة و لا شيطان و بين محامية تريد الدفاع عن القس باثبات ان المشكلة لم تكن مشكلة نفسية .
في هذا الفيلم تأخذنا هذه المناظرة بين مد و جزر تارة نؤمن بأن الفتاة كانت ممسوسة بالادلة العقلية و العلمية حتى و تارة نرفض فكرة وجود هذا التفسير الغريب و نضحك على سذاجته فالمسألة لا تعدو انها فتاة كانت تعاني مشاكلا نفسية و اضطرابات جسدية.
هذه المسائل الجدلية و بعض الاسئلة الكبيرة تطرح من زوايا مختلفة في جلسة النقاش الطويلة بفيلم ” نادي العباقرة ” .
روايات دان براون و اجاثا كريستي و السير ارثر كونان دويل لقت طريقها الى السينما مجسدة لنا شارلوك هولمز و هيركول بوارو في رحلة البحث عن الحقيقة و تتمتع هذه الافلام بالحبكة المتقنة و التطوير العميق للشخصيات خلال دقائق الفيلم الـ 90. فيلم ” الدليل ” يحاول مجاراة روايات اجاثا كريستي مع اضفاء النهاية المتعددة و هي تختلف عن النهاية المفتوحة المشهورة في كثير من الافلام مثل ” الجزيرة المقفلة “.
يقول احد علماء التاريخ ” لقد اخترت هذا التخصص كي تتاح لي فرصة التعرف و الصداقة مع افضل الرجال على مر التاريخ “. الافلام بدورها مثل الكتب تتيح لك فرصة التعرف على حياة العظماء و المشاهير من كل الاطياف و الاشكال نابليون ، هتلر ، شكسبير ، تسلا ، اديسون ، اينشتاين ، رامبرانت ، دافنتشي ، بوذا …الخ.
مع الافلام يمكن ان تذهب في جولة الى متاحف امريكا ” ليلة في المتحف 1 و 2 “ او يمكن ان تشاهد كيف تم بناء الاهرامات و سور الصين العظيم. تتعرف اكثر على ويلات الحرب العالمية و تتعاطف مع ضحاياها “ السقوط “ ، “قائمة شندلر”. مع الافلام يمكنك ان تعيش ليلة من الارق ” انسومينيا” ، او ان تعيش الهلوسة ” الميكانيكي” ..
يمكن ان تكون راهبا و تعيش رحلة البحث عن الحقيقة ” زن ” او ان تكون عبقري رياضيات و لكن مختل نفسيا ” العقل الجميل ” و “ باي “.
من خلال الشاشة العريضة فقط يمكنك ان تشاهد تفسير اكيرا كوروساوا لرائعة شكبير ” الملك لير ” من خلال فيلم ” ران “. من خلال الشاشة العريضة يمكنك ان تعيش معاناة الاباء عندما يزورون ابنائهم فلا يجد الابناء وقتا لابائهم في رائعة اوزو ” قصة طوكيو ” التي تحكي الاختلاف بين الجيلين .
في فيلم ” يوجيتسو ” ، يأخذنا ميزوغوتشي في قصة مأساة عائلتين بسبب طمع الازواج ايام الحرب الاهلية اليابانية في القرن السادس عشر ، في قصة مؤثرة بحق ابدع فيها المخرج في وصف تجلي الاهواء النفسية ككوابيس تلاحق الانسان .
من الصعب جدا ان تجد موضوعا لم تتناوله الافلام او لم تجسده لك في مشاهد سينمائية باقية كالجنة و النار ، الجن و الملائكة ، عزرائيل ، الشيطان ، الارواح ، الفقر و الجوع ،،
الكلام يطول و لكن سأختصر …
الافلام غنية و مفيدة و مليئة بالثقافة و العلم و التاريخ ، لكن كي يمكن الاستفادة منها يجب توخي الحذر في اختيار الافلام فالغث اكثر بكثير مما هو في الكتب .
من جهة اخرى يجب ان نترك خصلة الكسل فنشاهد الافلام كمتعة فقط او لا لشيء و انما فقط لاننا لم نجد شيء نعمله !.
و اخيرا يجب ان نتحلى بعين الناقد و ننظر الى ما بين السطور و نحاول ان نعرف ماذا يريد ان يقوله المخرج و ان نستشعر الرسالة التي من اجلها تم اخراج هذا الفيلم .
أنا بصراحة .. لازلت أعتقد بأن الأفلام ليست مصدر أساسي للتعلم .. لكن قد تكون مصدر ممتع عندما تمل من الأوراق الصفراء ..
مسألة أخرى .. أن قصص الأفلام و إن كانت حقيقية .. إلا أنها في الغالب تحرف من قبل المخرج أو كاتب السيناريو لصنع الحبكة الحماسية للفلم .. بوبذلك يفقد المصداقية .
على فكرة .. بما أن موضوعك عن الأفلام “الجميلة” أنصحك و بشدة بفلم عظيم اسمه Miral .. هذا الفلم و بالرغم من قصته العظيمة و رسالته الكبيرة .. مع ذلك تم تحريف مطلب الشعب الأصلي .. و تم صنع حق باطل للصهاينة في فلسطين .. كل هذا بسبب أن كاتبة الفلم لديها جنسية اسرائلية و حياتها طليانية .. فالنقطة هنا بأنه مع جمال الفلم و رسالته العظيمة إلا أنهه يحتوي على مقاطع تضلل المشاهد مثل رحمة بعض الصهاينة .. وقيام دولة مشتركة .. و … كل ه
أنا بصراحة .. لازلت أعتقد بأن الأفلام ليست مصدر أساسي للتعلم .. لكن قد تكون مصدر ممتع عندما تمل من الأوراق الصفراء ..
مسألة أخرى .. أن قصص الأفلام و إن كانت حقيقية .. إلا أنها في الغالب تحرف من قبل المخرج أو كاتب السيناريو لصنع الحبكة الحماسية للفلم .. و بذلك يفقد المصداقية .
على فكرة .. بما أن موضوعك عن الأفلام “الجميلة” أنصحك و بشدة بفلم عظيم اسمه Miral .. هذا الفلم و بالرغم من قصته العظيمة و رسالته الكبيرة .. مع ذلك تم تحريف مطلب الشعب الأصلي .. و تم صنع حق باطل للصهاينة في فلسطين .. كل هذا بسبب أن كاتبة الفلم لديها جنسية اسرائلية و حياتها طليانية .. فالنقطة هنا بأنه مع جمال الفلم و رسالته العظيمة إلا أنه يحتوي على مقاطع تضلل المشاهد مثل رحمة بعض الصهاينة .. وقيام دولة مشتركة .. و … كل هذا بسبب أن المخرج ينظر للقصة من وجهة (أمريكية) معتدلة و مزعومة .. وكاتبة الفلم تنظر له من وجهة نظر عربية معتدلة مكذوبة.
الموضوع جدا رائع . .شكرا لك .
جميل جداً واتفق معك في الكثير من النقاط ، احب افلام ستيفن كنغ، احب له فيلم طويل بعنوان روز رد او رد روز ان لم تخني الذاكره
احب موضوعاتك حين تسهب و تتوسع وتكون اكثر انطلاقا .
اهلا بك عزيزي مرتضى …
لاحظ عزيزي كيف استخدمت مصطلح الثقافة الشخصية بدلا من التعليم و ذلك للفرق الواضح بين الاثنين فكما ان القراءة العامة تخلق مثقفاعاما فالافلام تخلق مثقفا عاما و لكن الثقافة تختلف عن التعليم فالتعليم يجب ان يكون ذو منهجية خاصة لذلك لو كان الهدف التعليم المحض في تخصص معين لاخترت ” الافلام الوثائقية ” او سلسلات التعليم مثل ” الكورس العظيم ” فهذه اجدر بأن تقارن بالكتب العلمية او الدراسية اما الكتب الثقافية و القراءة الحرة فلا بأس اذا قورنت مع الافلام ..
اما مسألة تحري الدقة العلمية عن صورة حدث تاريخي او حقيقي فمعك حق ربما لا تكون دقيقة و لكن ليست هذه الحال دائما فتوجد افلام يتم دراسة كل الحالات التاريخية و اختيار الارجح منها على حسب الوثائق التاريخية كما حصل في فيلم ” السقوط ” الذي يحكي حياة هتلر .
و سأشاهد الفيلم الذي اشرت اليه ان شاء الله ،،،
سلمت يمناك
اهلا بك استاذ يزيد ….
انا ايضا من المعجبين بهذا الفيلم الطوووووووووويل !..
لفترة من الفترات كنت اعتبره افضل افلام الرعب ..
سرني ان المقال اعجبك ..
انا بدأن اكره الأفلام لسبب واحد, قلة حيلتهم فى إستخراج المشاهد التى تترأى للمخرجين فى خيالهم عندما يقرأوا النص المطلوب تحويله لنص.
لذلك الكتب رجعت من تانى ضرورة, لأنها تسمح لى برؤية الفيلم الذى ارغب فى مشاهدته فى خيالى, لا اتقيد بمخرج يرى ان مشهد بوسة او اكثر ضرورة فنية او لا يعطى مشهد مهم حقه كما ارغب.
مثال بسيط, كنت شاهدت فيلم مستوحى من إحدى روايات دان براون و بعدها قرات الكتاب!
هكذا توصلت لأستنتاجى, انا لا اريد ان اكون حبيس رؤية مخرج ما.
ربما الأفلام الواقعية التى تمس الحياة مثل الأحداث السابقة او مشاكل معينة تواجه الناس هيا الأكثر تفضيلا عندى الأن, لانها تعطينى إحساس كالتالى…..قرأت عنها….شاهدتها.
بس
اوافقك الرأي ابدعت أخي
شكرا لك
أهلا بك Vieq
كلامك عين الصواب هنا تقييد لحدود الخيال عندما نرى الرواية من منظار فيلم معين . و لكن هذا له ايجابية ايضا فالكثير من الروايات تحدث وقائعها في اماكن خيالية او اماكن بعيدة عن حياتنا اليومية او في زمن غابر فيصعب تخيل التفاصيل و البيئة و لكن الفيلم خاصة اذا كان وراءه مخرج عبقري مثل كوبرك او كوروساوا او كوباياتشي او سبيلبيرغ و يساندهم فريق متخصص تاريخيا فبالطبع احيانا يكون خيال الفيلم افضل من خيالنا ..
اشكر اضافتك القيمة و اشكر نوفه على التعقيب …
دمتم بود