شريعتي ، عن الوحدة و العزلة
بسم الله الرحمن الرحيم
الوحدة ، هل الوحدة ان نأخذ شخص و نرمي به داخل زنزانة ؟ ام ان الوحدة ممكن ان تعاش في وسط فوضى الحياة ؟ هكذا افتتح علي شريعتي كلامه و كأنما الجملة و السؤال تفضح ما سيصل اليه الرجل في نهاية البحث ، و هو ما ورد في الاثر “صحبوا الدنيا بارواح معلقة بالملا الاعلى” ..
الان يقسم شريعتي الوحدة الى نوعين من الوحدة النوع الاول ما يصطلح عليه anti socialism اي كل نوع من الناس تلجأ الى العزلة لاسباب مختلفة منها الشعور بالنقص او الخوف من العالم بسبب تجربة سيئة مثل الاغتصاب او غيره ، و ايضا ما يعانيه الاطفال و المراهقين في بعض فترات حياتهم و كل هذه يعتبرها علي شريعتي تافهة و يسميها “بالوحدة المبتذلة” و لا يراها اهلا للبحث فيها ..
النوع الاخر هو ما يصطلح عليه بـ الوحدة المتعالية ، و يرى ان هذه الحالة تنتج للفرد عندما ترتقي روحه و فكره عن مستوى الحياة الرخيصة التي تحيط به .الانسان العادي عندما يتنفس الصباح الى ان يستره الليل مشغول بأمور الحياة غارق في افكار العمل و المال و العيال ، و لكن الانسان المتعالي لا يعيش هذه الهموم بل هو مشغول بالتفكر بذاته ، اي انه كلما زاد التوجه الداخلي يقل التوجه الخارجي . و المحرك الرئيسي في هذه الحالة هو المعرفة و الوعي بالنفس ..
مرة اخرى يستدرك شريعتي ليقول ان هناك نوع ثالث من الوحدة و هي ما يسميها بالوحدة المصنوعة او التحميلية. هذه الوحدة هي ان يعزل الانسان بالقوة و هي سياسة متبعة في السجون حيث ان اكبر عذاب ممكن ان يعذب الانسان هو ان يوضع في زنزانة لا يرى فيها ضوء الشمس و يعزل تماما عن الواقع و تدريجيا ينقطع عن كل التعلقات بحيث تصبح القيم و الاعتبارات الخارجية مجرد اوهام بل حتى الذكريات تصبح اشباح حينها فقط يمكن لهم ان يروضوا نفسه التي لم تعد مرتبطة بمفاهيم سابقة .. حتى انهم لا يكلمونه و لو بكلام مهين او فاحش لان هذا يعيد تعلقه . فقال الوحدة المطلقة تصل الى السقوط المطلق .
الان حسب التجربة الاشخاص الانطوائيون يتحملون هذه الاوضاع لفترة اطول من الاشخاص الاجتماعيين لان الشخص الاجتماعي متعودة روحه على الاخذ و الرد بينها و بين الناس ..
و ايضا التجربة اثبتت ان الشخص المذهبي يقاوم لفترة اطول من الشخص اللاديني او المادي . البعض يحاول ان يتفكر في احبائه و ذكرياته لكي يملأ هذا الفراغ و لكن مع تعاقب الايام تنجلي هذه الاطياف من القلب بل من الذاكرة و يصبح من العسير جدا ان يجلس الرجل لساعات متفكرا في حبيبه مثلا ..
طيب و ما هو الحل الذي ساعد امثال علي شريعتي للصمود في هذه الاوقات العصيبة ..؟ الجواب هو السلام في الصلاة ..
طيب لماذا السلام بالذات ؟ لان السلام بطبيعته مضاد للوحدة ، لان الانسان عندما يسلم يستحضر شخصا ما في ذاته ، فاول عمل يقوم به السلام هو الاستحضار او الاحضار و هذا كما هو معروف ضد الوحدة ..
في الصلاة لدينا ثلاثة سلامات ، ثلاثة محضرين ، ثلاثة مخاطبين . لا يحتاج ان نذكر ان قوة الاستحضار منبعثة من قوة الايمان .
السلام الاول على النبي ، و كم من الوحدة سيبقى عندما تملأ الزنزانة بحضور سيد الكونين ؟
السلام الثاني السلام علينا و على عباد الله الصالحين ، في الجزء الاول نرى ضمير الجمع نا اي مجموعة من الناس كثرت او قلت من ضمنهم المتكلم و في الجزء الثاني احضار لكل عباد الله الصالحين ..
اذا الى الان استحضرنا الرسول الاكرم و حزبنا و عباد الله الصالحين ايا ما كانوا
السلام الاخير السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و فيه نرتفع بالعلاقة الى ما بعد البشر و نقيم علاقة مع كل الوجود من جنسنا او لا ، من عالمنا او لا ..
هذا ملخص نظرة علي شريعتي في كتيبه “تسليمات الصلاة”، و الله ولي التوفيق
فكرة رائعة..
إلا أنني استنكر اعتباره الأنتي سوشيال وحدة تافهة..
فما الذي يجعل الوحدة المتعالية أفضل منها, فلطالما شاهدنا العلماء و الأدباء و المفكرين يخالطون الناس العاديين و يستمتعون بصحبتهم..
برأيي أن الأنتي سوشال أو الوحدة لا علاقة لها بمستوى الإنسان الفكري, تجاربه السيئة مع بعض الناس و ما إلى ذلك..
هنالك فقط أناس يستمتعون بالوحدة و الإختلاء بأنفسهم..
يعجبهم الهدوء, يشعرون بالاسترخاء و الراحة..
بالطبع لا أتكلم هنا عن الفوبيا و الحالات المرضية..
الموضوع معقد و أعتقد بأن الدكتور أوفرسيمبلفيد إت..
تحية..
Interesting point of view
لكن استشهادك بالعلماء و الادباء ليس بكامل الدقة ، الدكتور سيقول لك الوحدة المتعالية ليست رهبنة بوذية او مسيحية مثل نبذ الزواج و الصوم في صومعة فوق جبل مثلا و لكن الوحدة المتعالية هي كما قال الوحدة في وسط المتجمع كما ورد في الحديث الاول و غيره من الاخبار التي تجري في سياقه و هي كثيرة كما لا يخفى .. اذا سيكون جوابه اما ان هؤلاء العلماء و الادباء لا يعيشون الوحدة المتعالية اساسا او انهم يعيشونها كأجساد و ارواحهم في مكان اخر …
شكرا لاضافتك
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أثرتم لدي تساؤلا، هل ما ذكره الدكتور شريعتي قابل للتطبيق أم هو أمر نظري؟
أشك في بقدرة الإنسان – إن لم يكن مصابا بالتوحد – أن يستطيع على الوحدة دون أن يصاب بالضيق و المصاعب النفسية!
بظني حتى من يستخدم التقنية كالدردشة و غيرها من الاتصال بالآخرين دون رؤية شخوصهم و يشعر بقربهم فإنه سيصاب بالكثير من الهموم التي سببها الشعور بالوحدة.
نعم؛ استحضار الأمثلة الكريمة من النبي (ص) و أهل بيته و الصالحين يعطي الإنسان دافعا للصلابة، و لكنه حتى لو تغلب على هم السجن فلا أظنه يتغلب على هم الوحدة.
ما رأيك؟
و عليكم السلام و رحمة الله وبركاته :
اهلا بالاستاذ أيمن اتمنى ان تكون و كل الاخوة بتمام الصحة و العافية ..
و اما بخصوص ما قاله الاستاذ الدكتور علي شريعتي كونه نظريا ام لا …
فلا شك عندي كونه حقيقة عملية تطبيقية ، فمرة نقول استحضار بمعناه المجازي و مرة اخرى استحضار بمعناه الحقيقي ..
طبعا الاستحضار المجازي و هو حالنا قليلي الايمان هو من قد يطرا عليه الملل و السأم و من ثم الرجوع الى حالة الوحدة لانه متكلف متصنع ليس بحقيقي ..
دليله اننا نبذ قصارى جهدنا في الخشوع و التوجه و التركيز لاستحضار الله جل جلاله امامنا في الصلاة ، و لكن ما نلبث ان نتعب بعد دقائق او قل سويعات قليلة ..
لكن في الجهة المقابلة الاستحضار يكون بتمثل حقيقي و معاينة يقينية و هذه ما لا يطرأ عليها الملل و الكلل ، قوله تعالى:
فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون
و لا يوجد تخصيص للملائكة كما قد يتبادر للذهن فيقول القائل هؤلاء خلقتهم مختلفة .. و الصحيح ان الاحاديث كثيرة جدا في ان اهل البيت عليهم السلام كانوا يطوون الليل كاملا او النهار كاملا في سجدة واحدة .. و ليس الامر منقطعا هنا فقد ورد هذا الامر عن بعض الاولياء بل حتى غيرهم من اصحاب الرياضات الروحية ممن وصل لملكة و شفافية تتيح له مشاهدة بعض التمثلات ، طبعا مع حفظ الفارق بين كل هذه الفئات ..
فالحاصل نعم كلامكم صحيح بالنسبة لنا عندما نتصنع خطابا مع الرسول الاكرم و لكن الامر مختلف كليا لمن يعاين المخاطب و يسمع رد السلام كما ورد كثيرا من اشخاص يسمعون رد الامام عند السلام عليه في الحضرة او حتى من بعد …
وفقكم الله و رعاكم و لا تنسونا من الدعاء …
شكرا لك أستاذنا العزيز ؛ووفقنا الله و إياكم للأنس بصحبته.